شباب «الرواق»
باب «الرواق»
الثلاثاء 29 يونيو 2010 – الأنباء
________________________________________
ميزة الكويت منذ القدم، أن الجهود الفردية التي ساهمت في بناء الديرة، كانت تسير على التوازي مع الجهود الجماعية أو الرسمية في عملية هذا البناء. وهؤلاء الأفراد يمكن أن نطلق عليهم لقب «الفرد المؤسسة»، فما قدمته بعض الشخصيات عبر تاريخ الكويت، كان عظيما على مختلف الأصعدة سواء الاقتصادية أو الثقافية أو على صعيد العمل الخيري، وغيرها من نواحي الحياة. وهي جهود تدخل في إطار التنمية البشرية والتي حققت نتائج مهمة.
بعض هؤلاء الأفراد يعملون بهدوء وصمت، وربما يتكبدون مصاريف من جيوبهم لنشر رسالتهم وتحقيق أهدافهم النبيلة. وقد تختلف أدواتهم ووسائلهم ولكن الغاية في النهاية واحدة والهدف لا يحيد عن رغبة هؤلاء برسم قلب كبير بمساحة تقدر بحوالي 18 ألف كيلومتر مربع، هي مساحة هذا البلد الذي نما كزهرة صامدة بين صخور المشقات.
هذا ما تلمسته وأنا أتابع في الآونة الأخيرة تلك المنتديات الثقافية والحراك الثقافي الفردي لعدد من الأشخاص، الذين حول بعضهم بيته إلى ديوانية ثقافية يتناقش فيها الأصدقاء بشؤون الفكر والأدب، أو الذين توسعوا في مشروعهم فأقاموا الندوات في المكتبات العامة، ومنهم الدكتور ساجد العبدلي المهتم بالتنمية البشرية، والذي اتخذ لنفسه ورشة ثقافية شبابية، وأطلق عليها اسم منتدى «رواق الكلمة»، أعضاؤها مجموعة من الشباب الحالم بمستقبل تشرق شمس المعرفة من زواياه الاربعة. وقد حضرت قبل أيام ندوة نقاشية لهذا الملتقى عن رواية بعنوان «جمر النكايات»، للكاتب عدنان فرزات، وقد لفت نظري أمران، الأمر الأول حجم الوعي الذي يمتلكه شباب المنتدى، والذي تجسد في رؤاهم وأفكارهم التي طرحوها والتي (من دون مبالغة) قارعت آراء النقاد المتخصصين الذين كانوا في الجلسة. الأمر الآخر الذي لفت نظري هو حجم الجمهور الثقافي الذي حضر الندوة، وهو ما يفند تماما مقولة إن هناك عزوفا لدى جمهور الثقافة. ولكن يبدو أحيانا ان المشكلة تكمن في جاذبية النشاط نفسه، وليس في الجمهور. بعد أن رأيت هذه المجاميع من الشباب، أدركت ان الذين نراهم يتسكعون بلا هدف في المجمعات أو في المقاهي، ليسوا هم كل شبابنا، فجزء مهم منهم ينزوي بصمت وهدوء، في غرف ثقافية وفكرية، يصنع مجدا آخر للكويت بعيدا عن الضوضاء والصخب والادعاء المؤسساتي.
هذا النموذج من الشباب تجده أيضا كل يوم اثنين يتجمع كحروف مضيئة فوق ورقة ناصعة، في رابطة الأدباء، أيضا يتناقشون ويتداولون نتاجهم الأدبي فيما بينهم.. ويرسمون حلما واعيا لمستقبل الكويت.
ولكي لا تبقى هذه الجهود في إطارها الفردي المرهق والمكلف لأصحابها، ولكي نضمن استثمارا بشريا حقيقيا لهذه العقول يتوجب على المؤسسات الثقافية الرسمية أن تتبناها دون أن تحتويها او «تجيرها» لصالحها، ولا أن تلعب دور الوصي عليها، بل أن تترك لها استقلاليتها العفوية، وتكتفي بدعمها من حيث توفير المقرات والكتب والمطبوعات والتغطيات الإعلامية وحتى البوفيه مجانا لتزهر هذه الافكار، والتي هي صغيرة في بذرتها، كبيرة في ثمارها.
nasser@behbehani.info